أحمد بن محمد مسكويه الرازي

12

تجارب الأمم

الحقّ ، وأمر بقراءة عهده عليهم . فأظهر الناس السرور بذلك وانفسحت آمالهم وعظم رجاؤهم وعلت بالتكبير والتهليل أصواتهم وكثر الدعاء لأمير المؤمنين بالبقاء وحسن الجزاء . ثمّ انصرف ودعا بعلىّ بن عيسى وولده وعمّاله وكتّابه فقال : - « اكفوني مؤنكم [ 1 ] واعفونى من الإقدام بالمكروه [ 10 ] عليكم . » ونادى في أصحاب ودائعهم ببراءة الذمّة من رجل كانت لعلىّ عنده وديعة ، ولأحد من ولده أو كتّابه أو عمّاله فأخفاها ولم يظهر عليها ، فأحضره الناس ما كانوا أودعوا إلَّا رجلا من أهل مرو ، وكان من أبناء المجوس ، فإنّه لم يزل يتلطَّف للوصول إلى علىّ حتّى صار إليه فأسرّ إليه وقال : - « لك عندي مال فإن احتجت إليه حملت إليك أوّلا أوّلا وصبرت للقتل إيثارا للوفاء وطلبا للجميل من الثناء ، وإن استغنيت عنه ، حبسته عليك حتّى ترى فيه رأيك . » فعجب علىّ منه وقال : - « لو اصطنعت مثلك قوما ما طمع فىّ السلطان ولا الشيطان أبدا . » ثمّ سأل عن قيمة ما عنده . فذكر أنّه أودعه مالا وثيابا ومسكا ، وأنّه لا يدرى ما قيمة ذلك ، غير أنّ ما أودعه بخطَّه وأنّه محفوظ لم يشذّ منه شيء فقال له : - « دعه فإن ظهر عليه ، سلَّمته ونجوت بنفسك وإن سلمت به رأيت فيه رأيي . » وجزاه الخير وشكر له فعله ذلك أحسن شكر ، وكافأه عليه وبرّه . وكان يضرب به المثل وبوفائه . [ 11 ] فذكر أنّه لم يشذّ على هرثمة من مال علىّ

--> [ 1 ] . في آ ، ومط والطبري ( 11 : 721 ) : مئونتكم .